اللغة

Loading languages...

The shortcode is missing a valid Donation Form ID attribute.

تقرير خاص
الاخبار

زيوت المحركات.. أزمة حادة تضرب عصب الحياة في قطاع غزة

القلوب الرحيمة – خاص

الارتفاع الجنوني والكارثي في ثمن زيت المحركات في قطاع غزة، الذي قفز سعره من 3 دولارات لأكثر من 400 دولار للتر الواحد؛ نتيجة النقص الكبير ومنع إدخاله من قبل الجانب الإسرائيلي، أدّى إلى شللٍ تدريجي في القطاعات الحيوية والخدمية؛ مُهددًا عمل المستشفيات، والمخابز، ومحطات المياه، ووسائل النقل، في ظِلّ تحذيرات من تزايد المخاطر الصحية والبيئية الناجمة عن استخدام الزيوت المُستهلكة، الأمر الذي يُفاقم مُعاناة السّكان ويضعهم أمام أوضاع إنسانية كارثية.

يمرّ قطاع غزة مُنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الموسّعة مطلع شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2023، في دوّامة أزمات مُتتالية ألقت بظلالها على كافة مناحي الحياة، لا سيما القطاعات الحيوية والمؤسسات الخدمية.

فإلى جانب عشرات الأزمات التي أفرزتها الحرب، برزت أزمة شُحّ زيوت وقِطع غيار المحركات، التي تُشكل مكونًا أساسيًا ومغذيًا رئيسيًا للمولدات الكهربائية والآلات الصناعية والسيارات، إلى جانب الوقود باهظ الثمن.

إذ يتعمد الجانب الإسرائيلي منع إدخال زيوت المحركات وقطع الغيار إلى القطاع، الأمر الذي ساهم في ارتفاع جنوني وغير مسبوق في سعر لتر الزيت الواحد بقيمة تجاوزت الـ 400 دولار مقابل 3 دولارات (في الوضع الطبيعي)، وهو ما خلق بالطبع أزمة خانقة باتت تُهدّد قطاعات حيوية كالمستشفيات والمخابز والبلديات والنقل والمواصلات بالشلل التام.

وتنبع هذه الأزمة من كون هذه المؤسسات الخدمية تعتمد بشكل كلي على المولدات الكهربائية والآلات الصناعية التي تحتاج إلى الزيوت وقطع الغيار بشكل دوري لحمايتها من التلف والأعطال، لا سيما وأنها تعمل لفترات طويلة تفوق طاقتها الأساسية.

ناقوس خطر صحي

تعتبر المستشفيات والمراكز الصحية من أكثر المؤسسات تضررًا وتأثرًا بهذه الأزمة، لكونها تقدم خدمات تتعلق بمسألة الحياة أو الموت.

وفي هذا السياق أكد مدير عام الهندسة والصيانة في وزارة الصحة بغزة مازن العرايشي، في حديث خاص لـ “القلوب الرحيمة”، أن مستشفيات القطاع تعتمد بشكل أساسي وكامل على المولدات الكهربائية مُنذ بدء الحرب، نتيجة قَطعِ جميع مصادر الكهرباء.

وأشار العرايشي إلى أن هذه المولدات صُمّمت للعمل لفترات محدودة ومتباعدة، لكن وبسبب الظروف الراهنة فإنها تعمل على مدار الساعة، وهو ما يتسبب في استنزافها والضغط عليها وبالتالي تعطلها وتوقفها عن العمل.

وفي ظِلّ الأزمة القائمة نتيجة انقطاع الزيوت وندرتها في السوق المحلي، فإن المستشفيات باتت تُشغل مولدات الكهرباء لفترات تصل إلى 800 ساعة باستخدام زيوت محروقة ومستعملة، في حين أن الفترة المثالية لتشغيل المولد الكهربائي بعد إضافة زيت جديد لا تتجاوز 500 ساعة عمل، وفق العرايشي.

ولا يقتصر الأمر على مولدات الكهرباء، فسيارات الإسعاف والدفاع المدني أيضًا مُهددة بالتوقف عن العمل، إذ تحتاج إلى تغيير الزيوت وقطع الغيار بشكل مستمر لا سيما في ظل التصعيد المتواصل من قبل الجيش الإسرائيلي والاستهداف المتكرر لقطاع غزة، ما يُشكل ضغطًا كبيرًا على هذه السيارات المهترئة التي عملت لأكثر من ثلاثة أعوام دون توقف خلال الحرب.

وحذّر العرايشي في حديثه لـ“القلوب الرحيمة” من توقف عديد الخدمات الحساسة التي تُقدمها مستشفيات القطاع، كأقسام العناية المكثفة والعمليات الجراحية بسبب هذه الأزمة، لافتًا إلى أن بعض المستشفيات عملت على إعادة جدولة لقسم غسيل الكلى وتقليص مدة تقديم الخدمة للمرضى الذين يعانون من الفشل الكلوي.

ونبّه أن العيادة الصحية في حي الدرج شرق مدينة غزة، التي تخدم نحو 2000 مريض يوميًا، توقفت عن تقديم خدماتها الصحية في أقسام الأشعة وطب الأسنان، بسبب تعطل مولد الكهرباء فيها.

وقال العرايشي: “أتوقع في الفترة القادمة أن يتم تقليص خدمات إضافية، بحيث تعمل المستشفيات بالحد الأدنى في أقسام الطوارئ، وفي بعض المستشفيات انتقلنا لتشغيل المولدات الصغيرة بدل الكبيرة في محاولة لمواجهة الأزمة وضمان استمرار تقديم الخدمات الصحية”، وفق تعبيره.

وأكد العرايشي أن وزارة الصحة ناشدت منذ فترة طويلة المؤسسات الدولية ومن ضمنها الصليب الأحمر ومنظمة الصحة العالمية واليونيسيف، بضرورة التدخل العاجل لإدخال الزيوت وقطع الغيار اللازمة للمولدات الكهربائية.

وأوضح أنهم تلقوا وعودًا من قبل هذه المؤسسات، حيث أكد الصليب الأحمر أنه تم شراء كميات كبيرة من الزيوت، ولكنها تنتظر التنسيق من قبل الاحتلال الإسرائيلي للسماح بإدخالها إلى قطاع غزة.

تهديد الأمن الغذائي

وتمتد أزمة نقص زيوت المحركات إلى خارج أسوار المستشفيات لتطال المخابز ومحطات تحلية مياه الشرب، ما يُنذر بكارثة حقيقية تهدد الأمن الغذائي.

فقد حذّر رئيس جمعية أصحاب المخابز في قطاع غزة عبد الناصر العجرمي من أن استمرار الأزمة الحالية يقود إلى توقف عدد كبير من المخابز خلال وقت قصير.

من جهته أكد رئيس اتحاد الصناعات الغذائية والزراعية في قطاع غزة، سمير شحادة، في تصريح صحفي، أن المولدات الكهربائية اللازمة لتشغيل المخابز مُهددة بالتوقف نتيجة هذه الأزمة، ما يضع المؤسسات العاملة في هذا المجال أمام تحديات حقيقية.

محطات تحلية مياه الشرب ليست بمنأى عن رياح هذه الأزمة التي تعصف بكافة مناحي الحياة، فقد تراجع إنتاج المياه بشكل حاد داخل محطة “عبد السلام ياسين” شمال قطاع غزة، وفقدت المحطة جزءًا كبيرًا من قدرتها على تلبية احتياجات المواطنين ومؤسسات الإغاثة الإنسانية.

وأكد حمزة ياسين -أحد مديري المحطة- في مقابلة صحفية، أن بعض سيارات نقل المياه توقفت عن العمل، ليس بسبب نفاد الوقود، وإنما خشية إصابتها بأعطال ميكانيكية لا يمكن إصلاحها نتيجة عدم توفر الزيوت وقطع الغيار اللازمة.

كارثة بيئية

وتتأثر بلديات قطاع غزة بأزمة نقص زيوت المحركات، نظرًا لاعتمادها على المولدات الكهربائية في تشغيل آبار المياه ومحطات الصرف الصحي، إلى جانب سيارات جمع النفايات التي تحتاج إلى تغيير الزيوت باستمرار، ما يُنذر بكارثة بيئية وشيكة، إذ تعتبر البلديات ركيزة أساسية في توفير المياه للمواطنين والحفاظ على البيئة من انتشار الأوبئة والأمراض.

وحذّرت مصلحة مياه بلديات الساحل في قطاع غزة، من أن استمرار النقص الحاد في زيوت التشحيم وقطاع الغيار يضع المنظومة المائية أمام خطر الانهيار التدريجي.

وقالت المصلحة في بيان صحفي: إن البنية التحتية للمياه، بما يشمل الآبار، ومحطات التحلية، ومحطات ضخ المياه العادمة، تعتمد بشكل كلي على مولدات الكهرباء، التي استُنزفت بشكل كبير نتيجة استخدامها المُكثف بشكل يفوق طاقتها التشغيلية.

ويتسع مدى الأزمة ليضرب قطاع المواصلات الذي يعاني أساسًا من شُح الوقود وارتفاع أسعاره بشكل غير مسبوق، حيث تواجه السيارات خطر التوقف عن العمل، الأمر الذي سيُرهق المواطنين ويزيد من معاناتهم ويعيق حركة تنقلاتهم.

وأمام هذه الأزمة الخانقة، تقف القطاعات الحيوية والمؤسسات الخدمية أمام خطر حقيقي يُهدّد كافة مناحي الحياة بالشلل التام، ويضع المواطن الغزي المُثقل بالهموم والآلام أمام شبح الجوع والعطش وتدهور الخدمات الصحية.

قريباً سيتم تفعيل الدفع الالكتروني من خلال الموقع

للمساهمة في مشروع

مركز نبض الخير الطبي المرحلة الثانية